تحميل...

علاج العنف والجريمة يبدأ من الأسرة

صالح نجيدات
نُشر: 15:24

أصبحت ظاهرتا العنف والجريمة من أخطر التحديات التي تهدد نسيج مجتمعنا، ولم تعُد حوادث فردية عابرة، بل تحولت إلى أزمة مجتمعية عميقة تتطلب معالجة جذرية وشاملة. وأولى هذه المعالجات، بل وأهمها، تبدأ من الأسرة.

فالأسرة تُعدّ المدرسة الأولى في حياة الإنسان، ومنها تتشكل شخصيته، وتُغرس قيمه، وتتحدد بوصلته الأخلاقية. فإذا صلحت الأسرة صلح الفرد ، وإذا صلح الفرد صلح المجتمع . لذلك، فإن التركيز على توعية الأسرة وتمكينها تربويا وثقافيا يُعدّ حجر الأساس في بناء جيل جديد متعلم، واعٍ، متوازن نفسيا وسلوكيا، وقادرا على التمييز بين الصواب والخطأ.

لكن للأسف، تعاني اليوم العديد من الأسر العربية من نقص في الثقافة التربوية، وغياب المعرفة بأساليب التنشئة السليمة، مما يؤدي إلى الفشل في تربية الأبناء تربية صحيحة . من هنا تبرز المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتق مؤسسات المجتمع المدني، والسلطات المحلية، والهيئات التربوية، في توعية هذه الأسر، وتوجيهها، ومرافقتها، من أجل تمكينها من أداء دورها التربوي على الوجه الصحيح.

ايضا توجد في مجتمعنا أسر مفككة أو غير قادرة على تربية أبنائها لأسباب اجتماعية أو اقتصادية أو نفسية . إن إهمال هذه الأسر وأبنائها من قبل مكاتب الخدمات الاجتماعية في السلطات المحلية يشكل خطرا حقيقيا ، إذ غالبا ما يكون هؤلاء الأطفال، عند غياب الرعاية والتوجيه، عرضة للانحراف، وقد يتحول بعضهم في المستقبل إلى ضحايا أو أدوات في دائرة الجريمة والعنف.

رغم الدور المركزي للمدرسة، إلا أن الواقع المؤلم يشير إلى أن المدارس تركز على التعليم الأكاديمي فقط، وتُهمل الجانب التربوي. حتى حصص التربية المخصصة لكل صف لا تُستغل بالشكل الصحيح من قبل بعض مربي الصفوف، مع أنها تشكّل فرصة ذهبية لغرس القيم، وتعزيز الحوار، وبناء الشخصية السليمة لدى الطلاب.

إن التربية والتعليم هما الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات والمجتمعات. وهما العلاج الحقيقي والطويل الأمد لعلاج العنف والجريمة والفساد. فبدون العلم والتربية لا تتقدم الشعوب، ولا تنتصر على الجهل، ولا تتغلب على العصبيات بكل أشكالها. الاستثمار في التربية والتعليم هو استثمار في الأمن المجتمعي وفي مستقبل الأجيال القادمة.

دور العبادة يجب ان تلعب دورا مهما جدا في غرس القيم الدينية والروحانية التي تشكل الحصن المنيع والسور الواقي في شخصية الفرد وتطوير ضميره الحي وحمايته من الإغراءات الكثيرة تشكل رادعا للفرد من ارتكاب الجرائم .

وأخيرا وليس آخرا , إن علاج العنف والجريمة لا يكون فقط بالقوانين والعقوبات، بل يبدأ من البيت، ويمر بالمدرسة، ويُستكمل بدور فاعل للمؤسسات المجتمعية والرسمية. فإذا أردنا مجتمعا آمنا وسليما ، فعلينا أن نعيد الاعتبار للأسرة والتربية والتعليم، لأنها الطريق الأصدق والأبقى لبناء إنسان واعٍ ومجتمع خالٍ من العنف والجريمة.

الدكتور صالح نجيدات

...