المشكلة أعمق من الميزانيات وصناديق الاقتراع
دون أدنى شك، إن معالجة أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية من جذورها تقتضي تفكيك أسبابها ومسبباتها بعيدًا عن التبسيط أو اختزال المسؤولية في عامل واحد. فالعوامل الخارجية والداخلية لا تعمل في فراغ، ولا يمكن مقاربتها بوصفها مسارات منفصلة، بل تتداخل وتتغذى بعضها من بعض في علاقة تأثير متبادل توفر شروط الاستمرار والتفاقم. وينطبق هذا التشخيص على آفة العنف والجريمة المنظمة في الداخل الفلسطيني، التي تشهد تصاعدًا مقلقًا ومتواصلًا منذ هبّة القدس والأقصى عام 2000، حيث تتحمل الدولة الإسرائيلية، بسياساتها الأمنية وبنيتها القمعية، المسؤولية الأساسية عن تفشيها، بوصفها المتهم المركزي والمستفيد الأكبر من حالة الانفلات. فمنذ مطلع الألفية، جرى غض الطرف عن الجريمة المنظمة وانتشار السلاح في المجتمع العربي، بالتوازي مع تقاعس الشرطة، بل وتورطها البنيوي في إدارة هذا الواقع، رغم امتلاك الدولة الأدوات القانونية والأمنية الكفيلة بمحاربة منظمات الإجرام، كما فعلت مع العصابات اليهودية عام 2003.
ومع ذلك، فإن الإقرار بمسؤولية العامل الخارجي لا يُعفي من طرح السؤال الداخلي الضروري، بل يفرض في الوقت ذاته مسؤولية داخلية لا يمكن التنصل منها، تتمثل في مراجعة الذات، وإعادة بناء المناعة الاجتماعية، واستعادة منظومة القيم والضبط المجتمعي. غير أن هذه المسؤولية لا تُمارس عبر جلد الذات، ولا من خلال خطاب سياسي يُحمل المجتمع كامل الذنب، كما تفعل بعض الخطابات التي تسارع إلى تبرئة الشرطة والمؤسسة الرسمية، وتُطلق مقولات من قبيل: "فشلنا كمجتمع في تربية أبنائنا" و"القتلة هم أبناؤنا ونحن نتحمل المسؤولية". فهذا الخطاب، الذي يفصل العنف عن سياقه السياسي والبنيوي، لا يكتفي بتبرئة الجهة المسؤولة فعليًا عن إنتاج هذا الواقع، بل يعيد إنتاج منطق تحميل الضحية الذنب، ويختزل أزمة مركبة ومتجذرة في خطاب أخلاقي سطحي يفتقر إلى أي تحليل جدي.
وإذا كنا جادين في طرح السؤال الداخلي، فلا بد أن نبدأ من هنا: ما علاقة الميزانيات التي تُحصل للسلطات المحلية بآفة العنف والجريمة؟ وكيف تحوّلت هذه الميزانيات، التي يُفترض أن تكون أداة تنمية وحماية اجتماعية، إلى أحد المسارات التي تُغذي العنف بدل أن تُحاصره؟ هذا السؤال لا ينفصل عن المسؤولية الخارجية للدولة، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن خلل داخلي بنيوي جرى استثماره وتغذيته سياسيًا وأمنيًا.
ففي ظل هيمنة الخطاب المطلبي–الخدماتي، جرى اختزال الفعل السياسي في القدرة على جلب الميزانيات للسلطات المحلية، بوصفها معيار النجاح والإنجاز. غير أن هذه الميزانيات، في واقع إداري هش يعاني من ضعف الرقابة والمحاسبة وتفشي أنماط مختلفة من الفساد، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع ونفوذ، لا إلى رافعة بناء وتنمية، ولدينا من الشواهد ما يؤكد ذلك من شمال البلاد إلى جنوبها. وهنا يلتقي العامل الداخلي بالعامل الخارجي، ميزانيات تُضخ، وإدارات محلية عاجزة أو متواطئة، ومؤسسة رسمية تعرف هذا الخلل وتغض الطرف عنه، بل وتستثمره حين يخدم سياساتها.
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند تصريح وزير المالية سموتريتش، الذي اتهم فيه الميزانيات المخصصة للمجتمع العربي بأنها "تتسرب إلى عصابات الإجرام". ولست هنا بصدد استحضار هذا التصريح لنفي عنصريته، ولا لتبرئة سياقه التحريضي الذي يعادي المجتمع العربي ويُحمله ذنبًا جماعيًا، بل للتوقف عند دلالته البنيوية الخطيرة. فهذا التصريح يكشف، من حيث لا يقصد، عن خلل عميق في إدارة هذه الميزانيات، خلل جرى التسويق له سياسيًا من قبل الأحزاب العربية بوصفه "إنجازًا" انتخابيًا، ووُضع تحصيل الميزانيات في صدارة أولويات مشاريعها عبر الكنيست، من دون معالجة جدية لآليات إدارتها أو منظومات الرقابة والمحاسبة عليها. وبعبارة أخرى، فإن هذه الميزانيات، التي دُفع في سبيل تحصيلها ثمن سياسي ومبدئي، أسهمت عمليًا في تغذية واقع العنف من جهة، وتحولت من جهة أخرى إلى مورد جذب لعصابات الإجرام التي وجدت في السلطات المحلية بوابة مربحة للسيطرة على المناقصات، وفرض الإتاوات، والتحكم بمشاريع البنى التحتية، وتعزيز نمط الاستهلاك والرفاهية الزائفة.
وساعد على ذلك تفشي الفساد الإداري، من تضخيم فواتير، وتوظيف وهمي، وتمرير عطاءات مشبوهة، ما أفرغ هذه الميزانيات من مضمونها التنموي، وحوّل المال العام إلى وقود إضافي للعنف والجريمة بدل أن يكون أداة لتعزيز الصمود والمناعة الاجتماعية. وهو خلل تعرفه المؤسسة الرسمية جيدًا، وتعايشت معه لسنوات طويلة، قبل أن تستحضره اليوم انتقائيًا لتبرير سياسات التضييق والابتزاز السياسي بحق المجتمع العربي.
وبهذا المعنى، لا يمكن فهم دور السلطات المحلية بمعزل عن منظومة أوسع سمحت بتحويل المال العام إلى مورد تنافس وصراع، وفتحت شهية عصابات الإجرام للسيطرة على المناقصات، وفرض الإتاوات، والتغلغل في مشاريع البنى التحتية، في ظل غياب رقابة حقيقية ومحاسبة فعلية. فالخلل هنا ليس خللًا أخلاقيًا فرديًا، بل خلل بنيوي مركب من عامل داخلي مأزوم، يُغذى ويُدار بعامل خارجي، ليُنتج واقعًا تتكاثر فيه الجريمة، ويُعاد فيه تحميل المجتمع المسؤولية بدل تفكيك البنية التي صنعت هذا الانهيار.
وفي المحصلة، لا يقتصر الخلل على السياسات الرسمية أو البنى القمعية وحدها، بل يتعمق بفعل خطاب سياسي انتهازي اختزل الفعل العام في صناديق الاقتراع، وحوّل الألم الجماعي إلى أداة تعبئة موسمية، عبر الترويج لوهم "تغيير الحكومة" مع تجاهل الانسداد السياسي البنيوي الذي يغلق أي أفق لتأثير حقيقي على السياسة الرسمية. وبدل مواجهة جوهر الأزمة، يجري توظيف كل جريمة وكل دم مسفوك للدعوة إلى التصويت، في تعبير فاضح عن عمى سياسي يعجز عن قراءة الواقع كما هو.
ومن دون كسر هذا المنطق الذي يحصر السياسة في الانتخابات، ويُسقط السياق البنيوي للعنف، ويُعيد تحميل المجتمع مسؤولية جريمة صُنعت خارج شروطه، سيبقى العنف مُدارًا لا مُعالجًا، ومُستثمرًا لا مُواجهًا، على أن ذلك لا يُغني عن ضرورة تفكيك العامل الداخلي ودوره في تهيئة الأرضية التي مكنت العامل الخارجي من تعميق هذا الانهيار.