حقل ألغام في كتاب "معاصَرةٌ بلا قيود" للكاتب صليبا طويل
مضى عام بالتمام على إهداء الصديق الكاتب صليبا جبرا طويل لي كتابه "مُعاصَرةٌ بلا قُيود"، عند لقائنا المتجدد في مؤتمر مركز اللقاء للدراسات الإسلامية – المسيحية في بيت لحم، وعلى مدار شهور العام الماضي كنت أقرأ فصلا، لأنشغل بقراءة كتب ومواد أخرى، وأعود الى كتاب صليبا ثم أتركه وهكذا قضيت السنة الأخيرة في القراءة بين فصل من المعاصرة وقراءات منوعة. ومما استدعى ذلك أن قراءة كتاب صليبا تحتاج إلى تأمل وتفكير في ما طرحه من مواضيع، ومراجعة وتعمق في ما أورده الكاتب من أفكار الى حد اعتبار قراءة هذا الكتاب وكأنه دخول في حقل ألغام فكرية.
ولعل ما ذهب اليه د. سعيد عياد في تقديمه للكتاب من أن الكاتب "وضع نفسه في مواجهة مع عواصف قد تهبّ عليه". (ص 18) أو إشارة السيد زغبي زغبي، مدير مركز وئام في كلمته التقديمية: "إن الكاتب بصراحة يكشف عن هويته وذاته بأنه ينتمي الى المدرسة العلمانية ومنطق الحداثة المعاصرة". (ص 11) أضف الى هذا وذاك ما قاله لي الكاتب عندما أهداني كتابه من تعرضه للعديد من المضايقات والتهديدات من عناصر ظلامية جراء ما طرحه من أفكار جريئة، ولهذا لم أبتعد عن توصيف الواقع عندما شبهت كتاب صليبا بأنه حقل ألغام فكرية، يصعب تقبلها بسهولة والتعامل معها بأريحية في مجتمع محافظ، تنمو فيه الحركات الدينية المتزمتة التي لا تقبل التعددية والنقاش في ما تؤمن به.
أكذوبة الربيع العربي والحل العلماني
يطرح الكاتب عددا من المواضيع الملتهبة في كتابه وكل موضوع يمكن له أن يشكل مادة لكتاب كامل، وجميعها تتمحور حول وضع العرب عامة بعد مرحلة أطلق عليها ظلما وعدوانا "الربيع العربي". فالربيع المزعوم أجهز على ما تبقى من القومية العربية، وفتت الوطن العربي، الى أقاليم ومناطق وأجزاء والشعب العربي الى طوائف وعشائر وقبائل وبطون وأفخاذ، ودمر الدول العربية المقتدرة والطامحة الى مستقبل أفضل مثل العراق وسوريا وليبيا وتونس (الى حد ما)، وعزز مكانة الأنظمة الرجعية والمحافظة والملكية مثل: دول الخليج والسعودية والأردن والمغرب وما شابه. واستبدل مقولة القائد العروبي الخالد جمال عبد الناصر: "إننا نعادي من يعادينا ونصادق من يصادقنا"، بنهج استسلامي كامل يتمثل في المقولة المشوهة: "نعادي من يصادقنا ونصادق من يعادينا".
بالمقابل رقع الكاتب شعار "العلمانية هي الحل" وكأنه يضعه مقابل شعار "الإسلام هو الحل"، ومن هنا ليس غريبا أن يستجلب هذا الشعار عداء الحركات الإسلامية خاصة وأنها ترفض العلمانية وطروحاتها، "فالعلمانية تنادي بفصل الدين عن الدولة، وليس منع ممارسة الدين والروحانيات كما نروج" (ص 110). ويدعو الكاتب الى ثورة فكرية نحو العلمانية لأن "معظم الأطر التي تبحث عن التغيير ليس في جعبتها سوى تغيير النظام واستبداله بآخر" (ص 113). وتبلغ دعوته ذروتها بمطالبة البلاد العربية ببناء دول الحرية والعدالة وليس دولة الله على الأرض (ص 121). ويحذر الكاتب بأن عدم تبني هذه الأفكار وعدم "تقديم الحس الوطني على الحس الديني والحزبي سيبقى التغيير يعشعش في مستقبل النسيان" (ص 125).
العدوان على المرأة والمسيحيين العرب كمركبين ضعيفين في المجتمع
يرى صليبا أن أحد أسباب تخلف الدول العربية وشعوبها، هي نظرتها وتعاملها مع المرأة، وأكبر دلالة على ذلك ما نشهده في سوريا في الفترة الأخيرة، بعد استلام الجولاني لسدة الحكم وسلسلة القوانين والتعليمات التي تصدر عن هذه السلطة "الداعشية"، من تقييد لحرية المرأة والتي تشكل انتكاسة لما حققته المرأة السورية من تقدم ومساواة مع الرجل.
في ظل العقلية القبلية الجاهلية تتعرض المرأة للاضطهاد اليومي، والتي ترى أن المرأة الصالحة عليها أن تهتم فقط في أمور بيتها وعمل المطبخ وتأدية الواجبات وخدمة الرجل (ص 159)، لذا يرى طويل أن الطريق ما زالت طويلة أمام المرأة، بل يمكن القول ان الطريق تراجعت. ويخلص الى الاستنتاج بأن تحرر المرأة، لا يتم بمعزل عن تحرر العقل من كل الأفكار المسبقة والمنغلقة والمعارضة لكل تطور وتقدم انساني.
ولا يقتصر العدوان على المرأة بل يمتد إلى "الأقليات" المستضعفة كما جرى مع المسيحيين من تفجير كنائس واغتيالات واعتداءات على أساس طائفي، وكذلك المجازر بحق العلويين والاعتداءات السافرة على القرى الدرزية وأعمال القتل والخطف وغيرها من الممارسات العدوانية المقززة. واذا كانت تلك الاعتداءات ترتكب على أساس ديني فان كاتبنا صليبا طويل يبين الفرق بين التدين والايمان: "في التدين تكمن الخطورة، وفي الايمان يكمن الأمان" (ص 184). فالمتدين يرى نفسه فوق الجميع بينما المؤمن يرى نفسه شريكا لأخيه المؤمن.
وفي ظل ما سمي بالثورة تعسفا في سوريا، ازدادت الطائفية وعادت لتطل برأسها مع الربيع المزيف، ويؤكد كاتبنا على العيش المشترك والتلاحم الإسلامي المسيحي، ويحذر من مخاطر انقراض الوجود المسيحي في الشرق، حيث يتعرض المسيحيون للملاحقة والاضطهاد والاعتداءات المتكررة على أساس طائفي، كما حصل في العراق وسوريا من قبل عصابات التكفير، وفي أماكن أخرى وان بمعدلات أقل، ولهذا فهو يدعو الى حوار مواطني بدل حوار الأديان.
الفكر والأدب يتعانقان في المقالة والخاطرة والقصيدة
لا يقتصر كتاب صليبا على المقالات والنقاش الفكري، بل يصيغ أفكاره تلك في حالات كثيرة بقالب أدبي، فنشر الخواطر والمقطوعات الشعرية الفكرية الى جانب المقالات، ومثال على ذلك:
"نعي ما نريد... لا نعي ما نريد
كأن الوعي يأتي من خارج الكون
يتكون دون إصرار أو إرادة
ما دام قيدنا فكري
لن يكون هناك حل
لن يكون هناك أمل
في التغيير والإصلاح" (ص 48)
كانت هذه اطلالة على كتاب "معاصرة بلا قيود" للكاتب صليبا طويل، وهي بالتأكيد لا تفي الكتاب حقه، ولا تتعرض لكافة الأفكار الواردة فيه، انما اكتفيت من خلالها القاء الضوء على أهم ما جاء فيه من مواضيع وأفكار، والتي يجمعها الايمان بالعقل وليس الغيبيات عملا بمقولة الشاعر أبو العلاء المعري: "كذب الظنُّ لا إمام سوى العقل مشيرا في صبحه والمساء". ولا يبقى إلا أن أتمنى للصديق الكاتب والباحث صليبا طويل كل الخير والمزيد من العطاء العلمي والفكري من أجل بناء مجتمع عربي متقدم على كافة الأصعدة.
"معاصرة بلا قيود"، اصدار: مركز وئام الفلسطيني – بيت لحم، 2021