"خنجرُ الخفاء"
"خنجرُ الخفاء" 2
****
كان يُظهر لي الودَّ كلما التقت العيون، يبتسم ويُثني ويُقسم أنّ الإخلاصَ خُلقُه، وأنّ الوفاءَ طريقُه الذي لا يحيد عنه.
كنتُ أصدّقه، فالنقاءُ لا يشكّ في نوايا الآخرين... حتى سمعتُ من غيره ما خفيَ عني؛ كلماتٌ طعنتني بلا سكين، ونُقلت عن لسانه الذي لم يزل يبتسم لي كل صباح.
تساءلتُ: ما الذي يدفع إنسانًا لأن يزرع شوك الحسد في بساتين الصداقة؟
أيُّ وجعٍ في قلبه يدفعه ليهدم جدار الثقة بالحيلة والنفاق؟
هؤلاء لا يعيشون سلامًا داخليًا، بل يقتاتون من تشويه الآخرين ليشعروا بأنّهم أفضل، ولو في وهمٍ عابر.
وفي مجتمعاتٍ مثقلةٍ بالضغوط، يتحول هؤلاء إلى سُمٍّ صامتٍ يخرّب العلاقات، ويعطّل التربية، ويغرس الشكَّ بدل الأمان.
هم سببٌ في ضياع القيم وتآكل الإخلاص بين الناس، لأنّهم لا يرون في النقاء إلّا فرصةً للطعن من خلف الستار.
وعندما واجهتُ نفسي، قلتُ:
“الطعنُ من الخلفِ لا يُوجِعُ إلا مَن كان يسيرُ للأمام.”
من يزرع الحسدَ في قلبه، لا يُؤذي غيره بقدر ما يُفسدُ تربيتَهُ وإنسانيّتَه.
""""""""""""""""""""""""""""""""""""""
"صخبُ الأقلام"
***** 3
تتكدس الكتب على الرفوف، تصطف الروايات والمقالات، وتزهو المطبوعات بألوانها الزاهية.
في كل أسبوع، يُطلق كاتب جديد كتابه، وتنهال على القارئ موجة من الأسماء والأفكار، حتى يكاد يختنق من كثرة المحتوى.
يتحدث الأدباء عن صحوة ثقافية، عن فجر جديد للوعي، عن نهضة الأدب والفكر.
لكن، وسط هذا الصخب، يتساءل المرء بصوت خافت:
كم من هذه الكتب يُقرأ بتمعّن؟
كم من الأفكار تُستوعب قبل أن تنتقل الصفحة التالية؟
العديد من القراء يتصفحون العناوين فقط، ويكتفون بالمراجعات السريعة، بينما يتشتت الكتّاب في السباق نحو الشهرة والإنتاج، تاركين الفن والثقافة عرضة للسطحية.
تجلس في مقهى صغير، تنظر إلى قارئ يرفع كتابًا حديث الطبع، لكنه يلتقط هاتفه في اللحظة التالية، فتدرك أنّ المشكلة ليست في كثرة الكتب، بل في قلة الصبر على القراءة وفهم المعنى.
وفي النهاية، همستُ لنفسي:
“الكتاب بلا قارئ، كالنهر بلا ماء.”
الإنتاج الأدبي وحده لا يصنع صحوة؛ القراءة الواعية والتأمل هما نبض الثقافة الحقيقي