وِحدَة!
أكبر همومي وأخطر قضايا عمري الآن: أن جاهد نفسي ألّا أغفو... يردد في سِرّه، مرات.
هي تقنيّة تعلّمها في مقتبل صباه (من ذاك الذي لا يطيقه، إيّاه) يحضّر فيها عقليه، الواعي واللاواعي، لأية مهمّة ينوي تنفيذها ويدرّبهما عليها.
بالمناسبة فقط، يجب التذكير بأنه لا يفهم هذه التسمية ولا يطيقها "اللاواعي"! ينتفض حين يسمعها أو يقرأها ويزفر: لا والله، إنه أوعى منكم جميعًا! وقد استقرّ رأيه، جَزْمًا، على أن هذه التسمية مقصودة ـ يحاذر جدًا كي لا يصفها بأنها "مؤامرة" ـ وأنها نتاج تفكير عميق بالعقل الواعي الذي يرى في ذاك منافسًا له ومزاحِمًا على دفة القيادة وسُلطة القرار.
يجاهد نفسه ألّا يغفو خشية أن يصيبه ما أصابه في كل المرّات التي نسي فيها ممارسة ذلك التكنيك فلا يستيقظ إلا وهو في محطة بعيدة أميالًا عن تلك التي كان يجب أن ينزل فيها، فيغضب حيال ما يكلفه ذلك من وقت، توتر ومصروف زائد.
لكنّ الوقت الآن متأخر جدًا وهو يشعر بإرهاقٍ شديدٍ يجعله مثل خِرقة مبلّلة وفوقه نعاسٌ يغالبه. فالوضع لا يحتمل، إذًا، أي خطأ أو تفويت. كل ما يتمناه الآن هو النوم؛ أن يصل إلى فراشه بسلام فيرمي بجسده عليه، كما هو تمامًا... "سأنام بحذائي، بعَفَني وبملابسي التي تلوث رائحتها الكريهة الأجواء. المهمّ أن أنام وكفى"، يفكّر.
بعد محطتين اثنتين، تنتصر تقنيته على تعبه وتهزم نعاسَه. يرنّ الجرس وينهض استعدادًا للنزول، فقد ينكسر ويغفو إن لم يفعل. هي مسألة ثوانٍ معدودة، كما تعلّمه تجاربه. يتقدم في الباص نحو بابه، يرمق السائق بنظرة المُنتصِر وهو يفتح الباب ثم يسارع إلى النزول بخفّة في محطته.
هانَت واقترب الفرج. لم يتبقّ له سوى أن يعبر الممشى الضيق، بين البيوت من المحطة إلى منزله. يخطو، ثقيلًا لكن مُسرعًا... تباغِته رائحة العشب الأخضر بقوّة، أول الشتاء، فينشرح صدرُه وتنتعش روحُه. يغذّ الخطى وهو يأخذ أنفاسًا عميقة فيفيض الهواء الرطب في جسده، يسري في مساماته ويتغلغل في خلاياه. يمتلئ بالرائحة النديًة، تستولي على عقله وتغمر مشاعره حتى يبلغ نشوة لم يذق طعمًا لها من قبل.
- هل أتوقف هنا بضع لحظات، قبل أن ينتهي الطريق، فأستنشق أكثر ما يمكن من هذا الهواء الرطب وأخزّن احتياطيًا من هذه الرائحة التي يعبق بها؟
يُساق، من دون أن يدري أو يقرر، إلى صراعه الداخلي، بين ما يستبد به من إرهاق ونعاس في جبهة أولى، وما قد يجنيه من متعة ونشوة، جسدية ونفسية، من فرصة الصدفة التي لن تتكرر هذه، في جبهة ثانية.
لكنه سرعان ما يستعيد زمام الأمور فيتمتم لنفسه بصوت مسموع، في عتمة الليل وسكونه: أنا قادر على حسم هذا الصراع وسأتوقف. فيتوقف. لكنّ رائحة طبيخ تنبعث من نافذة في إحدى الشقق فوق رأسه... فيلعن نفسه وقرارَه قبل أن يلعن الحيّ بأكمله وناسه جميعًا وهو يُسرع الخَطو تلقائيًا ليهربَ من الرائحة: خرا عليكو كلكو... فهمنا إنكو قاتلينّا في النهار بروايح طبايخكو كل الوقت، بَس إسّا، بعد نُص الليل؟ مين هالحيوانة اللي عمتطبخ في هيك سيعة؟
يُسرع وكأنّ نهارًا جديدًا في حياته قد بدأ الآن، لكنّ صرخة ذكورية مفاجئة تخرج من إحدى الشقق على جانبيّ الممرّ فتمزّق السكون وتضيءُ العتم، تصمّ أذنيه وتغشي عينيه، فتُبصر روحُه رحبَ وِحدتِه!
(من نصٍّ قيد الكتابة)