تحميل...

انتياسة مجهولة

ناجي ظاهر
نُشر: 23:38

المساء يقترب وسطح البحر الصاخب يظهر للعين المجردة كأنما هو يخبئ عاصفة تنذر بخراب آت.. ولا بد منه. هناك على الشاطئ تبدو نقطتان بعيدتان مثل قفتين وضعهما مجهول مسرع على حافة الماء ومضى ناسيا اياهما. اذا ما اقتربت اكثر سيسعفك ضوء القمر الشحيح لتراهما وكأنما هما صيادان ماهران يلقي كل منهما بصنارته الى الماء بانتظار الرزقة المقبلة. انفاس كل منهما تتلاحق ارتفاعا وانخفاضا، وكأنما هي ارتبطت بسمكة بوري او انتياسة او.. قردة، تتلقفها صنارة عمياء في غفلة من عين الماء العلوية.

احد هذين رجل وعد جارته الارملة بان يأتي لها بفرش يلعب فيه السمك بذيله حبا وفرحا بالحياة، والاخر فضل الا يقول لزوجته انه ذاهب الى البحر للصيد وضمر بينه وبين نفسه، ان يفاجئها باسماك طالما حدثها عنها دون ان يريها اياها. "هذه الليلة سأضع بين يديها مفاجأة من عيار ثقيل". قال في نفسه وهو يرسل نظرة آملة.. رانية الى رفيقه الذي تعرف اليه قبل فترة ورأى فيه الربان المخلص لسفينته من لجج حياته العاتية. 

"شوف الصنارة بتهتز بايدي.. شكلها غمزت"، قال احد الصديقين، فرد الاخر وهو يرسل ابتسامة من طرف فمه:" وشو بتستنى.. قلتلك لما تغمز صنارتك.. اسحبها واش واش شوي شوي.. انتبه.. اذا تسرعت بسحبها.. بتفلت حبة السمك منها". 

ما ان استمع الصياد الى هذه النصيحة من رفيقه، حتى بادر الى جذب صنارته باتجاه صدره بنوع حافل اللطف الحنون، غير ان عنادا غريبا ركب الصنارة فلم تستجب له. رغم انه كان يتمنى طوال الطريق من مشارف الناصرة حتى اطلالة البحيرة، يتمنى ان يتمكن من اصطياد ولو سمكة واحدة تثبت لزوجته انه رجل ومن اهلها من ناحية، وتؤكد لرفيقه انه جدير وبإمكانه ان يفاجئ العالم بما اذخره من حظ وحرفية من ناحية ثانية. رغم هذا كله فقد وجد نفسه يطلب المساعدة من رفيقه:" شكلها السمكة كبيرة.. تعال ساعدني في سحبها". خف الصديق لنجدة رفيقه  المستغيث به، امسك بقصبة الصنارة، شدها الاثنان معا. قال المغيث لرفيقه الى جانبه:" فعلا شكلها انتياسة كبيرة.. الانتياس عنيد وكبير راس.. لازم نتحلى بالصبر.. الصياد الماهر لازم يكون صبور..". 

تقدم الليل اكثر نحو عتمته، ومضى الاثنان يحاولان استخراج الانتياسة المجهولة من امواهها الصاخبة، وفي خاطر كل منهما انها ستصير بعد قليل معروفة. الصياد الهُمام الاول اضمر ان يقدمها وجبة دسمة الى جارته الارملة الحبوبة لتحن عليه، في حين برقت عينا الاخر وهو يفكر في زوجته وفي مفاجأتها المذهلة بانتياسة دسمة تأكل منها عدة ايام وتتذوق طعم السمك الحقيقي. الاول فكر في ان يستبق الامور فيشترط على رفيقه ان يتقاسماها، غير انه عدل عن اقتراحه.. قبل ان يغادر فمه بشعرة. اما الآخر فقد خطر له ان يتقاسمها معه، سوى انه ما ان تخيلها وهي تلعب بذيلها حتى عدل عما خطر له. 

في هذه الاثناء كان وجه كل من الصيادين صافيي النية كل تجاه الاخر، ينشدّ حينا ويرتخي اخر، غير انك لو تمعنت في وجهيهما سترى التوتر الشديد وقد افترش وجهيهما. 

"شد يا خوي". قال الصياد الاول، فرد الثاني:" مش قادر اشد اكثر.. بخاف انها تفلت".

الوقت يمضي والاثنان يشدان حينا ويرخيان اخر، على امل ان يكون ليلهما طويلا طويلا، من منطلق ان كثير اللقاء باسماك البحيرة.. كان قليلا. انهما يحرصان على الا تفلت تلك الانتياسة المباركة من بين فكي صنارتهما السحرية، لهذا اتفقا على ان يتحليا بالصبر الجميل وطولة الروح، في هذه الاثناء خطر لاحدهما ان يتحدث عن الشيخ سنتياغو، وكيف ان سمكته علّت قلبه قبل ان تغادر بحرها، وعندما تذكر ان سانتياغو شيخ همنغواي العظيم، وصل بها في النهاية الى بر الامان هيكلا عظميا، ابتلع القصة ولم يفه بأية كلمة منها، فعل ذلك من قبيل الحيطة المطلوبة في حضرة البحر، والحذر المرغوب به في حضرة اسماكه. اما الصديق الاخر فقد فكر في ان يروي قصة قديمة عن صياد منكود الحظ دارت عنه وحوله، احدى قصص الف ليلة وليلة. مفاد هذه القصة ان صيادا رزق مشوار بحري بسمكة غريبة الشكل واللون.. قلبت حياته راسا على عقب. سوى انه ما ان احس بكلمة قبلت حياته هذه، حتى ابتلع ما تبقى من كلمات القصة.. وعاد الى صمته الليلي.

نسي الاثنان ان هناك من ينتظرهما في ناصرتهما الغاطة في نومها، الاول نسي تلك الارملة الحبيبة المنتظرة تنفيذ وعده، في حين ان الاخر نسي زوجته وما اراد ان يُنعم به عليها من مفاجأة سَمكية، تهتز لها جدران البيت وربما سقوف الحارة..  ويتحدث عنها الحداة والركبان. الكثير من الكلام اراد ان يخرج من فم كل من الصيادين الحالمين، الا انه توقف قبل ان يغادر بقليل، انتظارا لانتياسة قلما حلم بها صيادو المنطقة. انتياسة قذفها البحر الابيض المتوسط الى فم البحيرة الطبرانية الحالمة.. لتكون هبة الامطار الغزيرة لصيادين هاويين.. ومحبين ايضا. 

"ارجو ان نتمكن من احتضانها قبل انتهاء الليل". قال الاول، فرد الثاني "على ايش مستعجل.. الانتياس بستحق.. اكثر من ليلة". 

مع هذا.. واصلت الانتياسة الغالية مشاكستها  الليلية  لصياديها العنيدين، بل قل المؤمنين بحاجتهما للصبر من اجل ان يحققا حلمهما.. ويحظيا باطلالتها البهية، وواصل الليل رحلته نحو نهايته غير عابئ بما يجري بين صيادين هاويين وانتياسة مجهولة تقبع في قلب الغيب، حتى وصل الى هزيعه الاخير، فاشتدت الظلمة واشتد بالمقابل امل كل منهما بالفوز.. ورويدا رويدا لاحت تباشير الفجر الاولى.. ليتبين الصيادان الاملآن.. لمفاجأتهما غير المتوقعة، ان ما علق بصنارة احدهما ما هو الا شبكة قديمة ملأتها الطحالب البحرية.. وفغرا بالتالي فميهما.. كأنما هما بحيرة وبحر من عالم اخر.

 

...