الرمز النصراوي المشجع
الرمز النصراوي المشجع
(رحل في مثل هذه الأيام من العام المنصرم)
ناجي ظاهر
اختزل في جسده النحيل جمهور مشجعي المجتمع العربي في كرة القدم تحديدا، فاختلط الخاص بالعام حتى أنه بات من الصعب عليك أن تميز أحدهما عن الآخر، فهو جمهور المشجعين، بالضبط كما بات جمهور المشجعين هو. وقد دأب على التشجيع الرياضي مطورا أدواته، من الأغنية ذات اللحن المعروف والكلمات الصاخبة المبتكرة أو المترددة، إلى الضرب على الدربكة ودوزنة الايقاع بكل ما يتطلبه من دقة ورقة. فعل هذا كله من منطلق المشاعر الغامرة بالانتماء إلى مدينته الناصرة، ومن محبة ضاجة صاخبة لاهلها، تمثلت في رفعه يده محييا إياهم حينا، وفي رفع الحاجب حينا آخر. اما طريقته في التعبير عن انتمائه هذا، فقد تم بابتسامة ساخرة حافلة بالود ومرفقة بمشاعر المعزة و الإخوة.
لا اريد ان اتحدث عن علاقتي بالمشجع الرياضي وليد سندياني- ابي مهران-،( ١٩٥٨- ٧/ ٣/٢٠٢٥) ، الذي غادرنا اليوم في رحلته السديمية الاخيرة، فقد عرف هذا الرجل لدي الكثيرين.. الكثيرين من أهالي الناصرة ومنطقتها، بل اعتقد انه عرف في مناطق أخرى في البلاد واحدا من مرافقي فريقه الاخاء النصراوي ومشجعيه الملهمين .
التحق راحلنا الكريم قبل أكثر من أربعين عاما بفريق اخاء الناصرة مشجعا محبذا ومتفاخرا بانتمائه إليه، وما زال كاتب هذه السطور يتذكره في حالتين من حالات كينونته وحضوره، إحداهما عندما كانت قوافل السيارات تنطلق في شارع الناصرة الرئيسي على اسم البابا بولس السادس، رافعة الأيدي إلى السماء العليين حامدة شاكرة، ومطلقة صافرات التفوق والانتصار، وقد كان وليد في حينها يخرج عن طوره، فيخلع قميصه ويأخذ بالتلويح به، مطلقا الصرخات الغامضة والضحكات الرياضية .. والمفاخرة بمدينه الناصرة وفريق كرة القدم فيها. لقد تواصل هذا المشهد ردحا مديدا من الزمن، الأمر الذي تسبب في ترسخ صورة وليد، رمز المشجعين العرب لكرة القدم، في أذهان جل أبناء الناصرة ، اذا لم يكن كلهم، وكاتب هذه السطور واحد منهم، وقد حصل هذا.. مشهدا اثر اخر وفترة تلو سابقتها. أما الحالة الثانية لكينونة وليد وحضوره هذه، فقد ارتبطت تمام الارتباط بالحالة الأولى هذه، وقد برزت تلك الحالة عندما عمل وليد في تجميل الأحواض الفاصلة في شارع الناصرة الرئيسي تحديدا، زارعا إياها بأجمل الورود وأبهاها لونا ورائحة، وما زال الكثيرون.. الكثيرون يتذكرون انشغاله أثناء عمله هذا بتوزيع الضحكات والقهقهات على الجميع من سائقي التكسيات والباصات خاصة، أما ما كان يلفت النظر إليه فهو رفعه يده المباركة ضمن إشارة تقول دون ان تقول انتم أبناء بلدي. احبكم لو تعلمون كم*.
لقد رحل وليد سنديانة اليوم الجمعة ٧/٣/٢٠٢٥، عن عمر ناهز السابعة والستين سنة, وكانت المفاجأة التي تضمنها نبأ رحيله المفجع أنه قضى بعد أيام من تقاعده وإنهائه عمله في بلدية الناصر، الأمر الذي يفرض طرح السؤال التالي، هل تسبب أنهاء عمله هذا في دخوله إلى باحة العدم واللاجدوى.. والابتعاد القاتل عن محبوبيه من أبناء بلدته ومن منصته الرياضية، تلك المنصة التي اعتلاها طوال العشرات من السنين. رحم الله راحلنا الكريم، فقد ولى في طريق الغياب الابدي، تاركا وراءه الكثير من الصور والمشاهد اللافتة في دفتر تاريخ مدينتنا المشتركة الناصرة، ومخلفا ذكريات وحكايات أغنت هذا الدفتر وأثرت صفحاته بكل ما هو قريب من القلب، غال وعزيز على الروح.
*عنوان مجموعة شعرية للشاعر الراحل شكيب جهشان