تحميل...

غنى العطاء التربوي

د. غزال أبو
نُشر: 22:46

“أجمل ما يعيشه المربي أن يرى كلماته تتحول إلى عمل، وأفكاره التربوية تتحول إلى قيم وسلوك في حياة طلابه.”

في مسيرتي المهنية في ميدان التربية، رافقني دائمًا شعور عميق بأن التربية ليست وظيفة عابرة، بل رسالة حياة ومسار إنساني طويل. ومع مرور السنوات، وجدت نفسي أعبّر عن هذه الرسالة من خلال الكتابة التربوية والبحث والعمل الميداني مع المعلمين والطلاب. فكانت لي محطات متعددة في تأليف كتب في مجال التربية اللامنهجية، من بينها: (التربية للقيم الاجتماعية)، (التربية الاجتماعية في المدرسة)، (التربية والرياضة)، (القلق والخوف من الامتحانات)، إضافة إلى أبحاث تربوية واجتماعية في قضايا المجتمع، وكان آخرها كتاب (الوساطة في المدرسة والمجتمع – دليل تطبيقي).

وقد جاء كتاب (القلق والخوف من الامتحانات) استجابةً لحاجة حقيقية لمسها الميدان التربوي، حيث يعاني كثير من الطلاب من التوتر والخوف في فترات الامتحانات. ومن خلال هذا الكتاب سعيت إلى تقديم أدوات تربوية تساعد المعلمين والطلاب على التعامل مع هذا القلق، وتحويل الامتحان من مصدر خوف وضغط إلى فرصة للتعلم وبناء الثقة بالنفس.

لكن الحقيقة التي تعلمتها مع الزمن أن الكتاب لا يكتمل بمجرد طباعته، بل يكتمل عندما يتحول إلى ممارسة حية في المدرسة وبين الطلاب. ولهذا أشعر بسعادة خاصة كلما دخلت مدرسة من مدارسنا، فالمكان يعيد إليّ ذكريات سنوات طويلة من العمل والعطاء، وذكريات آلاف المعلمين الذين شاركوا في الاستكمالات والورشات التربوية في المركز الذي أسسته.

وفي كثير من الأحيان يتقدم نحوي أحد المعلمين بابتسامة صادقة ويقول:

“نحن نطبق ما جاء في كتبك مع الطلاب.”

عندها تتوقف الكلمات قليلًا، ويحل محلها شعور عميق بالرضى. فهذه اللحظة وحدها كفيلة بأن تمنح المربي طاقة جديدة للاستمرار. إنها لحظة يرى فيها الإنسان أثر الفكرة وقد تحولت إلى عمل، وأثر الكلمة وقد أصبحت سلوكًا تربويًا في الصفوف والساحات المدرسية.

وفي مثل هذه اللحظات أشعر بثراء التجربة والمعنى في مسيرتي التربوية.

ولست أقصد الغنى المعروف، غنى المال أو الممتلكات، بل غنى التجربة والعطاء والرسالة. أشعر بمحبة الناس، وبالثقة التي يمنحها المعلمون لتجربتي، وبالأثر الذي تركته الفكرة التربوية في حياة الطلاب والمعلمين.

فأجمل ما يمكن أن يعيشه المربي في حياته المهنية هو أن يرى ثمرة عمله تكبر أمام عينيه:

طالب يكتسب قيمة إنسانية،

معلم يطبق فكرة تربوية،

ومدرسة تتحول إلى فضاء للحوار والقيم وبناء الإنسان.

ومن هنا جاء اهتمامي أيضًا بتعزيز ثقافة الوساطة والحوار في المدرسة والمجتمع، لأن التربية الحقيقية لا تكتفي بنقل المعرفة، بل تسعى إلى بناء إنسان قادر على الحوار، واحترام الآخر، وحل النزاعات بطرق إنسانية وحضارية.

إن التربية، في جوهرها، ليست كلمات في كتاب، بل حياة تُعاش، وتجربة تنتقل من جيل إلى جيل. وما أجمل أن يشعر الإنسان، بعد سنوات طويلة من العمل، أن ما زرعه من أفكار وقيم قد بدأ يؤتي ثماره في الميدان التربوي.

أقف أحيانًا أمام هذه المسيرة وأتأمل الطريق الذي قطعته في ميدان التربية. ربما لا أملك ثروة من المال، لكنني أملك ثروة من التجارب والمعلمين والطلاب الذين حملوا الفكرة إلى مدارسهم وحياتهم. وهذا هو الغنى الحقيقي في حياة المربي؛ أن يرى فكرته تعيش في عقول الناس، وأن تتحول القيم التي آمن بها إلى سلوك في حياة الأجيال. عندها يشعر المربي أن جهده لم يذهب سدى، وأن ما زرعه في الأرض التربوية قد أصبح شجرة طيبة تمتد ظلالها لتمنح الخير لسنوات طويلة قادمة.

ففي التربية، الكلمة الصادقة قد تصبح بذرة… تنمو في حياة الأجيال.

...