الوقاية من انحراف الأبناء
لا شكّ أن موروثنا الديني والحضاري وقيمنا الأصيلة تشكل منهج حياة لكل فردٍ منا، فهو النبع الصافي الذي نستمد منه قيمنا وأخلاقنا ومبادئنا التي تنظم شؤون حياتنا. وقد أولى هذا الموروث اهتماماً كبيراً بالأسرة، لأنها الخلية الأولى في بناء المجتمع، ومنها يبدأ تشكيل شخصية الإنسان وتوجيه سلوكه. فالمجتمع الصالح يبدأ بأسرة صالحة، والأسرة المتماسكة تُنشئ جيلاً متوازنا يسهم في بناء المجتمع واستقراره.
إن بداية تكوين الأسرة المستقيمة تنطلق من حسن اختيار الزوجين لبعضهما البعض، وبخاصة اختيار الزوجة الصالحة التي تُسهم في بناء أسرة قائمة على القيم والأخلاق والاستقامة. فوجود المودة والرحمة بين الزوجين يهيئ بيئة أسرية آمنة ومستقرة، يشعر فيها الأبناء بالطمأنينة والأمان، الأمر الذي يحميهم من الوقوع في الانحرافات السلوكية والفكرية.
ومن المعروف أن للأسرة أدواراً ووظائف متعددة تسهم في بناء شخصية الأبناء وتوجيههم نحو الطريق الصحيح. فالأسرة ليست مجرد إطار للعيش المشترك، بل هي مؤسسة تربوية واجتماعية تقوم على التوعية والإرشاد والتوجيه. ولا يستطيع الفرد أن يصبح عضوا فاعلا في المجتمع أو أن يعيش في استقرار نفسي واجتماعي إلا إذا أدت الأسرة وظائفها التربوية بصورة سليمة ومتوازنة.
ويُعد الإرشاد الأسري من أهم الوظائف التي تقوم بها الأسرة، لما له من أثر كبير في نجاح الأسرة وتماسكها واستقامة أبنائها. فالإرشاد الأسري يساعد أفراد الأسرة على تحقيق التوافق بينهم، ويسهم في حل المشكلات الأسرية بطريقة حكيمة، كما يوجه الأبناء نحو القيم الدينية والأخلاقية التي جاء بها القرآن الكريم والإنجيل ، لأنهما منهج حياة .
كما يلعب الإرشاد الأسري دورا مهما في الوقاية من انحراف الأبناء، وذلك من خلال استخدام أساليب تربوية وتوجيهية متعددة تتناسب مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية للأسرة. فلا يتحقق التوازن الأسري والضبط الاجتماعي إلا بوجود دور فعال للأسرة في توجيه الأبناء وحمايتهم من الانحراف في مختلف المراحل العمرية.
ومن أهم الأساليب التي تساعد الأسرة على حماية أبنائها من الانحراف ما يلي:
أولا: تقوية الوازع الديني لدى الأبناء منذ الصغر، وترسيخ العقيدة الصحيحة في نفوسهم، وملء قلوبهم بمحبة الله تعالى وحب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمسيح عيسى ابن مريم ، لأن الإيمان يشكل رقيبا داخليا يوجه سلوك الإنسان نحو الخير والصلاح.
ثانيا: تعليم الأبناء أمور دينهم وتعريفهم بما أمر الله به من قيم وأخلاق وسلوكيات حسنة، حتى ينشأوا على وعي ديني وأخلاقي تحصنهم من الانحراف.
ثالثا : توجيه الأبناء اختيار الأصدقاء الصالحين، فالصديق له تأثير كبير في تشكيل شخصية الإنسان وسلوكه. وكثيرا ما يكتسب الأبناء عاداتهم وسلوكياتهم من أصدقائهم، سواء كانت إيجابية أو سلبية، ولذلك يجب على الأسرة متابعة علاقات أبنائها وتوجيههم نحو الصحبة الطيبة.
رابعا: توعية الأبناء بحسن استخدام التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، لما لها من تأثير كبير في تشكيل أفكارهم وسلوكهم. فالاستخدام الواعي للتقنية يحقق الفائدة، بينما الاستخدام الخاطئ قد يقود إلى الانحراف.
خامسا : استثمار أوقات الفراغ بما ينفع، من خلال تشجيع الأبناء على القراءة والرياضة والأنشطة الثقافية والاجتماعية المفيدة، لأن الفراغ قد يكون بيئة خصبة لاكتساب السلوكيات السلبية إن لم يُستثمر بشكل إيجابي.
سادسا: تقديم البرامج التوعوية والإرشادية التي تساعد الأبناء على فهم ذواتهم والتعبير عن مشكلاتهم والتعامل معها بطريقة سليمة، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم ويجعلهم أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
وأخيرا وليس آخرا ، فإن الوقاية من انحراف الأبناء مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع. فالأسرة الواعية التي تبني أبناءها على القيم الدينية والأخلاقية، وتمنحهم الحب والرعاية والتوجيه السليم، تسهم في إعداد جيل صالح قادر على بناء مجتمع متماسك يسوده الأمن والاستقرار.
وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى أسر واعية تدرك أن تربية الأبناء ليست مجرد واجب، بل هي رسالة عظيمة وأمانة كبيرة، فبصلاح الأبناء يصلح المجتمع، وبانحرافهم يختل توازنه. لذا فإن العناية بتربية الأبناء والاهتمام بتوجيههم منذ الصغر هي الطريق الأضمن لبناء مستقبل أفضل للمجتمع .
الدكتور صالح نجيدات