تحميل...

سخنين في وجدان الشعر: قراءة موسّعة في قصيدة منيب مخول في الذكرى الخمسين ليوم الأرض

د. غزال أبو
نُشر: 23:11

في الذكرى الخمسين لـ يوم الأرض 1976، لا نستحضر حدثًا عابرًا في التاريخ، بل نعيد إحياء لحظة مفصلية تشكّلت فيها ملامح الوعي الوطني الفلسطيني .يوم الأرض لم يكن مجرد احتجاج على مصادرة الأراضي، بل كان إعلانًا واضحًا بأن الأرض هي الهوية، وأن الانتماء إليها ليس خيارًا بل قدر. وفي هذا السياق، يكتسب الأدب، وخاصة الشعر، دورًا مركزيًا في حفظ الذاكرة الجماعية وصياغتها، حيث تتحول الكلمة إلى فعل مقاومة، وإلى جسر يربط بين الأجيال. ومن بين الأصوات التي عبّرت بصدق عن هذا المعنى، يبرز الشاعر منيب مخول، الذي كتب الأرض بوجدان أبنائها، وجعل من سخنين رمزًا نابضًا في قصائده.

سخنين في الشعر: من المكان إلى الرمز

في قصيدته التي يخاطب فيها سخنين، يقول:

سخنين ماذا فيكِ يا سخنينُ

وعلامَ يجذبني إليكِ حنينُ

يفتتح الشاعر نصه بنداءٍ حميميّ، يتداخل فيه السؤال مع الدهشة، وكأن سخنين تحمل سرًا لا يُفسَّر. إن تكرار اسم المدينة يعكس حضورها الخالد في الوجدان، ويحوّلها من مكان جغرافي إلى كيان حيّ يُخاطَب ويُحَب. وهنا تبدأ عملية التحوّل من الواقعي إلى الرمزي، حيث تغدو المدينة مرآةً للهوية الجماعية.

الحنين بوصفه هوية

يتابع الشاعر:

أأراكِ في نبضي وفي خفقاتهِ

أم في ثراكِ تُصاغُ بي سنينُ؟

الحنين في هذا السياق ليس مجرد شعور عابر، بل هو حالة وجودية. إنه الرابط الخفي الذي يشد الإنسان إلى أرضه، ويجعل من الانفصال عنها أمرًا مستحيلًا. فالإنسان هنا ليس كائنًا مستقلًا عن المكان، بل هو امتداد له، يتشكّل منه ويعود إليه.

الذاكرة والشهادة

ويقول:

يا موطنَ الشهداءِ كيف تركتِ في

قلبي جراحًا لا تبوحُ وتُعلنُ

في هذا المقطع، تتجسد سخنين كحاضنة للذاكرة الوطنية، حيث تختزن قصص الشهداء والتضحيات. وهنا يتحول الحنين إلى شعور مركّب، يجمع بين الألم والفخر، بين الفقد والاستمرار. إنها ذاكرة لا تُروى فقط، بل تُعاش في الوجدان.

البعد الجمالي والرمزي

تتميّز القصيدة بلغة بسيطة لكنها مشحونة بالدلالات، حيث يوظف الشاعر:

 • التكرار لتعزيز الإيقاع والانتماء

 • السؤال لإثارة التأمل

 • الاستعارة لتحويل المعاني إلى صور حيّة

أما الرموز، فتتجلى في:

 • سخنين: الوطن المصغّر

 • الحنين: الذاكرة الحيّة

 • النبض: الاستمرارية

 • التراب: الجذور والهوية

القصيدة كفعل مقاومة

لا تقف القصيدة عند حدود التعبير الوجداني، بل تتجاوز ذلك لتصبح فعلًا مقاومًا. فهي تكتب الأرض في مواجهة محاولات الطمس، وتعيد تثبيت الرواية الفلسطينية في الوعي الجمعي. وهنا يلتقي الشعر بالتاريخ، ويتحوّل النص إلى وثيقة وجدانية تحفظ ما قد تغفله السجلات الرسمية.

سخنين: الحكاية المستمرة

ويبلغ النص ذروته في قوله:

فيكِ الحكايةُ، فيكِ سرُّ حكايتي

ومن الترابِ إلى السماءِ تكونُ

حيث تختصر سخنين حكاية الإنسان الفلسطيني، الممتدة من جذور الأرض إلى أفق الأمل. إنها ليست مجرد مكان، بل سيرة وهوية ومسار تاريخي متواصل.

خاتمة

في الذكرى الخمسين ليوم الأرض، تعود قصيدة منيب مخول لتؤكد أن الأرض ليست موضوعًا شعريًا فحسب، بل هي جوهر الوجود الفلسطيني. وسخنين، كما تتجلى في هذا النص، ليست مدينة تُزار، بل ذاكرة تُحمل، وهوية تُعاش، وحنين لا ينسى.

...