تحميل...

حول قانون إعدام الأسرى: إيّانا والاعتياد

ساهر غزاوي 
نُشر: 22:49

لستُ محتارًا، إن صح التعبير، من أين أبدأ وأين أنتهي، ولا بين ما هو مهم وما هو أهم، فكل القضايا هنا متشابكة إلى حد يستحيل معه الفصل بينها، وتصب جميعها في مسار واحد. يكفي أن تضع يدك على موضع واحد في هذا الجسد حتى ترتجف معه سائر الأعضاء، فهذا الجسد مثقل بالندوب والجراح، لا تكاد تندمل فيه إصابة حتى تُفتح أخرى، ولا يُغلق فيه ملف حتى يتشعب إلى ما هو أعمق وأشد إيلامًا.

لم يكن مفاجئًا أبدًا ما أقرّه الكنيست الإسرائيلي مساء الاثنين 30/3/2026 من قانون الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين، إذ يأتي هذا القانون ضمن مسار متراكم من السياسات والتشريعات التي تتجه نحو تشديد أدوات السيطرة والقمع، وتحويلها من ممارسات ميدانية إلى أطر قانونية مُلزمة. فالقانون، بصيغته الحالية، يفتح الباب أمام إصدار أحكام بالإعدام في قضايا تُصنف ضمن "العمليات القومية"، مع تقليص هامش السلطة القضائية في تخفيف الحكم أو استبداله، وهي سلطة أثبتت التجربة أنها ليست محايدة، بل تُستخدم ضمن منظومة أوسع لإنتاج التمييز. وهو ما يعكس توجهًا واضحًا نحو استخدام العقوبة القصوى كأداة ردع سياسية، وليس فقط كإجراء جنائي.

وإذا كان هذا القانون يبدو اليوم كخطوة استثنائية، فإن التجربة السابقة تدفع إلى الحذر من اعتياده مع مرور الوقت. فقد أعادت أجواء إقراره إلى الأذهان "قانون القومية" عام 2018، الذي كرس التفوق القومي اليهودي ومنح حق تقرير المصير حصريًا لليهود، وأثار حينها موجة واسعة من الرفض، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى جزء من الواقع القانوني والسياسي. ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن فقط في القانون ذاته، بل في مسار تطبيعه وإدخاله ضمن الأدوات "العادية" لإدارة الفلسطينيين.

وفي السياق ذاته، يعكس الخطاب المرافق لهذه السياسات مستوى إضافيًا من التصعيد، حيث تُطرح أفكار متطرفة، مثل إقامة سجون محاطة بـ"برك تماسيح"، بما يكشف عن مناخ سياسي يتعامل مع الأسير الفلسطيني كوسيلة للردع والإذلال، لا كإنسان له حقوق. وحتى لو لم تُنفذ هذه الطروحات، فإن مجرد تداولها يشير إلى مدى سهولة انتقال الأفكار المتطرفة إلى حيز السياسات الرسمية.

غير أن هذا كله لا يمكن فصله عن السياق التاريخي الأوسع. فمنذ النكبة عام 1948، خضع الفلسطينيون في الداخل لنظام الحكم العسكري حتى عام 1966، حيث استُخدمت الاعتقالات وأوامر الطوارئ لضبط المجتمع والسيطرة عليه. ومع احتلال عام 1967، توسعت هذه السياسة لتشمل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لتصبح الاعتقالات ركنًا ثابتًا في منظومة السيطرة الإسرائيلية.

ومنذ ذلك الحين، مر عبر السجون الإسرائيلية مئات آلاف الفلسطينيين، فيما تُقدر المؤسسات الحقوقية العدد التراكمي بنحو مليون معتقل. أما اليوم، فيتراوح عدد الأسرى بين 9,000 و10,000، بينهم أطفال ونساء ومعتقلون إداريون دون محاكمة. ولم تقتصر هذه المنظومة على الاحتجاز، بل رافقتها انتهاكات مستمرة، شملت التعذيب، والتجويع، والإهمال الطبي، والعزل، والاعتداءات الجسدية، ما أدى إلى استشهاد نحو 323 أسيرًا منذ عام 1967 حتى مطلع 2026. وقد شهدت الفترة منذ تشرين الأول 2023 تصاعدًا غير مسبوق، حيث استُشهد أكثر من 100 أسير ومعتقل، في واحدة من أكثر المراحل دموية.

وفي هذا الإطار، لا يمكن اعتبار هذه الوفيات نتائج عرضية، بل هي حصيلة سياسات ممنهجة تُشكل عمليًا نوعًا من الإعدام البطيء أو غير المباشر، يوازي في جوهره قانون الإعدام نفسه، وإن اختلفت الأدوات. كما ترجح مؤسسات حقوقية أن الأعداد الفعلية قد تكون أعلى، في ظل التعتيم والإخفاء القسري، خاصة بحق معتقلي قطاع غزة. وهو ما يؤكد أن منظومة الأسر لم تكن يومًا مسألة قانونية بحتة، بل أداة سياسية لإدارة السكان والسيطرة عليهم.

وفي موازاة ذلك، لا ينفصل هذا المسار عن ما يجري في القدس والمسجد الأقصى، حيث فُرضت منذ اندلاع الحرب قيود مشددة على الوصول إليه، وصلت في بعض الفترات إلى إغلاقه فعليًا أمام المصلين، ومنع آلاف الفلسطينيين من أداء الصلاة داخله، بما في ذلك خلال مناسبات دينية مركزية. وهي إجراءات تندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل الحيز الديني والسيادي في المدينة.

تاريخيًا، لم تكن فكرة الإعدام غريبة عن السياق الاستعماري في فلسطين. ففي ظل الانتداب البريطاني، نُفذت أحكام إعدام بحق مناضلين فلسطينيين، وكان يوم 17 حزيران 1930، المعروف بـ"الثلاثاء الحمراء"، أحد أبرز هذه المحطات، حين أُعدم محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير في سجن عكا. وما يجري اليوم يعيد إنتاج هذا المنطق، لكن ضمن منظومة تدعي القانونية، بينما توظفها لإضفاء شرعية على سياسات الإقصاء.

وفي الخلاصة، فإن التعامل مع قانون الإعدام لا يجب أن يقتصر على الاستنكار والغضب، بل يتطلب موقفًا واضحًا يضع جوهر القضية في مكانه الصحيح، فهؤلاء الأسرى لا ينبغي أن يكونوا أصلًا في السجون، لا تحت تهديد الإعدام ولا غيره، بل بين أهلهم وأبناء شعبهم. فحريتهم ليست مطلبًا سياسيًا فحسب، بل حق أساسي كفلته الشرائع السماوية، وأكدته القوانين والمواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي ينص على الحق في الحياة والحرية وعدم التعرض للتعذيب، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يقيد استخدام عقوبة الإعدام ويشدد على ضمانات المحاكمة العادلة، إضافة إلى اتفاقيات جنيف التي تحظر المعاملة القاسية واللاإنسانية بحق المعتقلين. ومن هنا، فإن المطلوب لا يقتصر على رفض قانون الإعدام، بل يتعداه إلى المطالبة الواضحة بالإفراج عن الأسرى وإطلاق سراحهم، باعتبار ذلك حقًا مشروعًا يستند إلى هذه المنظومة القانونية الدولية، ولا يقبل التأجيل أو المساومة.

...