"على ناصية الطريق" للكاتب معين أبو عبيد- ناصية أدبية للتفاعل مع قضايا المجتمع الملتهبة
أطل علينا الشيخ الكاتب معين أبو عبيد مؤخرا بكتابه الجديد: "على ناصية الطريق".(1) ونستدل على هوية الكتاب من عنوانه الفرعي وهو: قراءات، مقالات وخواطر، وهذا ما نجده في التقسيم الداخلي من حيث المضمون وأسلوب الكتابة، فقد جمع الكتاب بين الألوان الكتابية الثلاثة. وكان واسطة العقد "المقالات" صاحب حصة الأسد كمًّا من مواد الكتاب الذي جاء في 188 صفحة من الحجم الوسط.
يهدي الكاتب كتابه "الى أولئك الذين ما زالوا يؤمنون بالإنسان رغم خيبات العالم ويختارون الانصاف حين يعم الظلم"، وبهذا فهو يفصح عن توجهاته في كتابه الذي يأتي في وقت الخيبات على الصعيد العام ولم يأت اهداؤه من فراغ، كما يهدي الكاتب كتابه أيضا الى روح المرحوم والده والى حفيده الجديد وعموم أفراد عائلته.(2)
يتناول الكاتب في القسم الأول من كتابه عددا من الأعمال الأدبية والفكرية لعدد من كتابنا وشعرائنا بالمراجعة والتقريظ، وبعض تلك المداخلات سبق وألقاها في أمسيات اشهار الكتب. والقسم الثالث: الخواطر، لا يبتعد كثيرا عن المقالات، لكن الكاتب اختار تأطيرها في هذا الباب.
كان من الطبيعي أن أختار خاطرة "على ناصية الطريق" لأقرأها أولا، لأنها حملت اسم الكتاب، واخترت منها: "الناصية ناصيتي ليست مجرد حجر أسود على رصيف، بل مرصد وجودي تشرع فيه النوافذ على أسرارها" (ص 172). فالكاتب يجلس في مرصده يراقب ويسجل ويعلق ليس من باب الحيادية، بل من خلال التفاعل القوي بحيث يمتشق قلمه ويكتب ناقدا ومقرعا ومشيرا الى الغلط دون مواراة أو محاباة. "أشعر أحيانا أن هذه الناصية ليست شارعا بل مرآة تعكس ما نحن عليه وما كنا عليه وما نخشى أن نصير اليه" (ص 173).
باب المقالات ينزع فيه الكاتب الأقنعة المزيفة ويظهرها على حقيقتها
أما في باب المقالات وهي اللون الأدبي الذي تخصص فيه كاتبنا، فهناك له صولات وجولات مع كل الظواهر السلبية في مجتمعنا، يقوم الكاتب باستعراضها والكشف عنها بصراحة وبدون أي احتيال، ويقدم النقد الصريح المباشر. وهنا سأتوقف عند بعض النماذج على عجالة حيث لا يتسع المجال للوقوف عند جميع المقالات على أهميتها، وانتقائي للمقالات لم يكن عن اختيار مقصود بل عشوائيا، وهي كما أراها تعكس مضمون وفحوى الكتاب برمته وخاصة المقالات فيه.
عادة ما يفتتح الكاتب مقالته بقول أو حكمة أو استنتاج تشكل مدخلا سهلا للمقال، وهذا ما نجده في مستهل مقالة "الكتابة عندما تدنسها الأحقاد" بقوله: "إن للقلم دورا وقوّة، وهو سلاح ذو حدين، قد يرفع الأمم أو يهدم القيم، يمكن أن يبني ويعمّر، أو يهدم ويدمّر"(ص 75). ورسالة الكاتب هنا واضحة حيث يوجه النقد القاسي لأصحاب الأقلام الحاقدة والحاسدة، وهي ليست قليلة في مجتمعنا، وبالتالي فان كاتبنا يدعو لأن تكون الكتابة من منطلق الأمانة والاحترام. ويتابع في موضوع مشابه في مقاله "وجوه الخبثاء وأقنعة المنافقين" (ص 82)، وعلى عادته يوضح في مستهل المقال معنى الخبث "والانسان الخبيث الذي يظهر خلاف ما يبطن". وهو يحذرنا من الخبثاء خاصة المقربين منا، ويستنتج بأنهم لا بد سينكشفون يوما ما. ويعود على الموضوع في مقالته "الأقنعة بين الزيف والواقع" (ص 91)، وفي خلاصته يدعونا لأن نعيش بصدق مع أنفسنا أولا، لنعيش براحة نفسية وهدوء في الحياة. ومقالة "عهد الأقنعة" (ص 118) ويخلص فيه الى "من أشد أنواع الظلم ان يلعب الظالم دور الضحية، ويتهم المظلوم بأنه ظالم كما هو حالنا". وفي مقالة "يلبس قناع التودد والتسامح" (ص 126) يختمه بدعاء يطلب فيه من الله "أن ينجينا منها يجعلنا من الصادقين ... وأن نستقبح من أنفسنا ما نستقبحه من آخرين".
يتطرق الكاتب الى مواضيع أخرى في مقالاته النقدية اللاذعة، ففي احداها ينتقد الكاذبين والمخادعين ويصفهم بعديمي المشاعر والمبادىء لأنهم أحياء أموات(3). وفي مقالة أخرى يدين الكاتب اللجوء الى القتل باسم الله، والله براء منها، تلك الظاهرة الاجرامية البشعة التي انتشرت في بعض الأقطار العربية تحت لواء "الربيع العربي" وفي حقيقته "الدم العربي"، لكن كاتبنا لا يفقد ايمانه بالمستقبل ويقول: "إن كنا نطمح لمستقبل أفضل، فلنبدأ بقبول الآخر، والاعتراف بانسانيته. ربما حينها فقط، نكون أمة تستحق الحياة"(4).
وينتقل كاتبنا الى آفة أخرى تضرب في مجتمعنا وهي الاستخدام السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي، وما تجره من مشاكل وخلافات وفضائح تؤدي الى هدم عائلات، فهو يحذر من هذه الظاهرة وويلاتها والاستخدام المسيء لها مثل "ترويج الأكاذيب، والإشاعات الزائفة والمتناقضة". ويدعو في نهاية المقال الى عملية غسيل ليس بالصابون الكيماوي بل "بمسحوق الإيمان والنصيحة... عسانا نحصل على نظافة أكيدة في الدنيا والآخرة"(5).
أما بعد، هناك مواضيع اجتماعية وأخلاقية أخرى عالجها الكاتب معين أبو عبيد "على ناصية الطريق"، وكان بودي التوقف عندها وكذلك ابداء الرأي في مناح أخرى في الكتاب، لكن ضيق المساحة يجعلني أكتفي بهذا القدر، على أمل لقاء يكون فيه مجال أرحب لمعالجة تلك الجوانب. وفي الختام أتمنى لكاتبنا المحترم المزيد من العطاء، ومواصلة درب النقد البناء لمظاهر سلبية في مجتمعنا بهدف التخلص منها والعيش في جو من النقاء المنشود.
إشارات:
معين أبو عبيد – على ناصية الطريق، دار الحديث- كانون الأول 2025
م. س – الاهداء، ص 9
مقالة: كل ديك على مزبلته صياد، ص 116
مقالة: "هل نحن أمة جديرة بالحياة؟ ص 123
مقالة: لا تنشر غسيل الآخرين، ص 133
