تحميل...

يوم الأسير الفلسطيني: تبصّرات في كتاب "أكبر سجن على الأرض"

ساهر غزاوي 
نُشر: 22:10

يأتي يوم الأسير الفلسطيني في السابع عشر من نيسان من كل عام، على اعتبار أنه محطة وطنية وقيمية وإنسانية لتجديد الالتفات إلى قضية الأسرى في السجون الإسرائيلية، واستحضار ما تمثله من رمز مركزي في مسيرة الشعب الفلسطيني. أُعلن هذا اليوم عام 1974 من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، تخليدًا لنضال الأسرى، وتأكيدًا على أن قضية الحرية ليست قضية أفراد، بل قضية شعب وأمة، بل وقضية إنسانية أوسع تتجاوز الحدود.

غير أن استحضار هذا اليوم لا ينبغي أن يظل محصورًا في البعد الرمزي أو الاحتفالي، بل يجب أن يُقرأ في سياق واقع متراكم، حيث يقبع آلاف الأسرى الفلسطينيين في السجون، بينهم مئات المعتقلين إداريًا دون تهمة أو محاكمة، إلى جانب نساء وأطفال وأسرى أمضوا سنوات طويلة خلف القضبان. هذه المعطيات، على أهميتها، لا تمثل إلا الوجه الأكثر وضوحًا من ظاهرة أوسع، تتعلق بطبيعة "الأسر" في الحالة الفلسطينية.

في هذا السياق، يصبح من الضروري توسيع مفهوم الأسر، من كونه حالة فردية تخص من هم داخل الزنازين، إلى كونه جزءًا من منظومة أشمل من السيطرة والتحكم تمتد إلى المجال العام. فالأسر لا يبدأ عند باب السجن، ولا ينتهي عند الإفراج، بل يتجسد في قيود الحركة، ونظام التصاريح، والحواجز، وإدارة الحياة اليومية كحالة أمنية دائمة.

ولعل إحدى الصور التي تختصر هذا الواقع ما جرى مؤخرًا من ضبط عمال فلسطينيين داخل شاحنة نقل نفايات، يختبئون بين القمامة بحثًا عن فرصة عمل لسد لقمة العيش لهم ولأطفالهم ولمن يعولونهم، فيما ينتظرهم أهلهم على أحر من الجمر. هذه الحادثة القاسية هي نتاج مباشر لبنية تُقيد الحركة وتدفع الأفراد إلى البحث عن بدائل مهينة وخطرة. وهنا، لا يكون العامل "حرًّا" في اختياره، بل محكومًا بشروط مفروضة تُعيد تعريف العمل ذاته كفعل عبور محفوف بالإذلال والمخاطر.

هذا المشهد لا ينفصل عن الإطار التحليلي الذي يقدمه المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابِه في كتابه "أكبر سجن على الأرض". ففي هذا العمل، يعيد بابِه تعريف الاحتلال، ليس باعتباره سيطرة عسكرية مؤقتة، بل كمنظومة متكاملة لإدارة السكان، تتحول فيها الأرض إلى فضاء مغلق، وتُدار حياة الفلسطينيين عبر أدوات ضبط تشبه نظام السجون.

يكتب بابِه: "فما إن انقشع غبار المعركة حتى بدأ الإسرائيليون بتحويل الضفة والقطاع إلى سجن كبير…". هذا التوصيف يُقرأ كتشخيص لبنية حكم وهيمنة استعمارية. فالسجن هنا لا يقتصر على الجدران، بل يشمل الحاجز، والتصريح، والتقسيم الجغرافي، والرقابة الأمنية، والقرارات الإدارية. نعم، هي مجموعة أدوات تُنتج واقعًا تُقيد فيه الحركة، ويُدار فيه الوقت، وتتغيّر فيه علاقة الإنسان بالمكان.

ويُظهر بابِه، من خلال الوثائق والتحليل، أن هذا النظام لم ينشأ فجأة بعد عام 1967، بل شكل مرحلة تطوير لنموذج سابق بدأ منذ 1948، حيث جرى توسيعه وتحويله إلى منظومة شاملة لإدارة السكان. ويشير في هذا السياق إلى أن التخطيط لم يكن طارئًا، بل ممنهجًا: "فعقدوا في الغرف السوداء اجتماعات عدة، ووضعوا الخطط القانونية والتنظيمية… وبدأوا ينتظرون فرصة التنفيذ".

بهذا المعنى، لا يمكن فهم ما يجري اليوم كاستجابة ظرفية لاعتبارات أمنية، بل كجزء من بنية مستمرة تُعيد إنتاج نفسها بأدوات مختلفة. وهنا تتضح العلاقة بين حادثة العمال داخل شاحنة النفايات ومفهوم "السجن الكبير"، فكلاهما ناتج عن نظام يُقيد الحركة ويحدد الخيارات، بحيث تصبح البدائل المتاحة إما مهينة أو محفوفة بالمخاطر.

وإذا كانت الضفة الغربية المحتلة تمثل نموذجًا مركبًا لهذا النظام، فإن غزة – المحاصرة منذ عام 2007، والتي تعرضت لحرب إبادة على مدار عامين على مسمع ومرأى من العالم، وبالبث المباشر – تقدم صورته الأكثر كثافة. فالحصار لا يقتصر على إغلاق المعابر، بل يشمل التحكم في الاقتصاد، والموارد، وحركة الأفراد، ما يجعل من القطاع فضاءً مغلقًا تُدار فيه الحياة عند الحد الأدنى الممكن. وهنا، لا يعود الحديث عن "تقييد"، بل عن إعادة تعريف كاملة لشروط الحياة.

في هذا السياق، يمكن فهم الضفة الغربية اليوم باعتبارها "خزّان غضب"، ليس بمعنى الانفعال اللحظي، بل كتراكم مستمر ناتج عن واقع يُنتج القهر بشكل يومي. هذا الخزّان لا ينفصل عن "السجن الكبير"، بل هو أحد نتائجه، فحين تُقيد الحركة، وتُضبط الحياة، وتُغلق الآفاق، يصبح الغضب نتيجة طبيعية.

لكن المفارقة التي يشير إليها بابِه تكمن في أن هذا الغضب ذاته يُعاد توظيفه ضمن منطق السيطرة. إذ يكتب: "تلك الخطة السرية لا تزال قيد التطبيق… وهي تستغل كل تعبير فلسطيني عن الغضب لتقتضم مزيدًا من الأراضي". بمعنى أن المنظومة لا تكتفي بإنتاج الغضب، بل تستخدمه كذريعة لتعزيز أدواتها، ما يخلق حلقة مغلقة بين القهر ورد الفعل عليها.

في ضوء ذلك، يكتسب يوم الأسير الفلسطيني دلالة أعمق من مجرد استذكار من هم خلف القضبان. فهو يطرح سؤالًا مهمًا حول طبيعة الحرية في هذا السياق: هل يمكن اختزال الأسر في الزنزانة، أم أنه يمتد ليشمل أنماطًا متعددة من السيطرة على الحياة اليومية؟

الإجابة، في ضوء هذا التحليل، تميل إلى الخيار الثاني. فالأسر هنا ليس حالة فردية، بل بنية عامة تتجلى في أشكال متعددة، من الاعتقال الإداري، إلى الحواجز، إلى القيود الاقتصادية، إلى الحصار. وكلها أدوات ضمن منظومة واحدة، هي ما يصفه بابِه بـ "السجن الكبير".

في النهاية، فإن "خزّان الغضب" يُشكل مؤشرًا على واقع يُعاد إنتاجه يوميًا. والسؤال الذي يفرض نفسه في يوم الأسير لا يقتصر على كيفية تحرير من هم خلف القضبان، بل يمتد إلى كيفية إعادة تعريف الحرية في سياق يُدار فيه المكان كـ "سجن كبير"، وما ينطوي عليه ذلك من قيود واسعة على الحرية.

 

...