خيبة إسرائيلية في التعويل على الدولة اللبنانية
أمير مخول – مركز تقدّم للسياسات
عشية إعلانه عن وقف لاطلاق النار في لبنان، أعلن الرئيس ترامب عن محادثة هاتفية مرتقبة بين الرئيس اللبناني ميشيل عون ونتنياهو. لاحقا وبعد ان اتضح ان المحادثة لن تجري، صرح ترامب بأن لقاء سيجري بين عون ونتنياهو قريبا في واشنطن.
في مواجهة الغضب الشعبي وحصريا اليميني جراء اعلان ترامب وقف اطلاق النار في لبنان، خصص نتنياهو خطابه للجمهور لمعاينة سرديته من جديد سعيا الى اعتبارها إنجازات لم تكتمل، وتوقف بانفعال عند احتمالية سلام ابراهيمي مع لبنان وبشروط إسرائيلية، كان مستبعدا دائما. غالبية الرأي العام الإسرائيلي بنحو 70% كانت تؤيد مواصلة الحرب وتصعيدها ، حين اعلن ترامب عن قراره الحازم،
حاليا لم تحصل المحادثة الهاتفية بين عون ونتنياهو، ولا من مؤشرات تفيد بلقاء مرتقب في واشنطن، ولا يبدو أي أفق للسلام الابراهيمي، وهو الاطار الذي يستوقف نتنياهو سعيا الى علاقة بين البلدين تكون اقرب الى تحالف أمني وبشروط إسرائيلية مسنودة أمريكياً.
وفقا لاعتبارات الجيش فإن وقف إطلاق النار في لبنان ليس بالتطور السيء، بل يتيح للجيش استنادا الى القرار الأمريكي البقاء في المناطق المسيطر عليها، ومنع عودة النازحين اللبنانيين الى القرى الجنوبية لغاية 8 كيلومترات من الحدود، كما يقوم بتدمير قرى بأكملها تحت مسمى "القرى الشيعية"، بعد رسم المنطقة العازلة الأساسية والتي كما يبدو سيتم توسيعها. كما يستغل الجيش وقف اطلاق النار لاستهداف المزيد من القرى وهدمها كي لا يكون لسكانها بيوت يعودون اليها، وهي عقيدة استخدمت في عام النكبة 1948. بالإضافة يقوم الجيش بما أطلق عليه "تطهير المنطقة" من أية بنية استخدمها حزب الله. فعليا يرسم الجيش حدود "الترتيبات الأمنية".
يرى الجنرال المتقاعد عاموس يدلين بأن إسرائيل تريد فصل لبنان عن ايران، وأن تقيم منطقة عازلة "لا يوجد فيها سكان شيعة ولا قرى شيعية". بناء عليه فهو يعتقد أن الجيش قد أنجز مهامه في التوسع في لبنان، وبأنه في حال تجددت الحرب الامريكية مع ايران ينبغي على إسرائيل التمحور في ايران وليس لبنان، بل المهمة في هذا البلد حاليا ينبغي ان تكون اتفاق مع الحكومة اللبنانية يؤدي الى إضعاف حزب الله. في مقابل هذا التقدير يرى السفير الإسرائيلي السابق في الأمم المتحدة غلعاد أردان بأن ايران قد تتنازل عن حزب الله في حال اضطرت لفعل ذلك حفاظا على النظام، كما ان اردان لا يعوّل على مراسيم لقاء نتنياهو وعون في واشنطن في حال حصل مثل هذا اللقاء الذي يستبعده.
إعلاميا يتسع نطاق التحليلات القائلة بغياب استراتيجية مبلورة، بل وفقا للكثير من التقديرات الإسرائيلية فإنها متعثّرة، بحيث أن أحد المؤشرات لذلك، هو الفجوة بين ما يحققه الجيش من إنجازات عسكرية ناتجة عن فائض القوة العسكرية وبين عدم ترجمتها حكومياً الى مردود استراتيجي وفقا للمعاير التي باتت تقلق الرأي العام بشكل ملحوظ، اذ لم تحسم إسرائيل قطعياً أية جبهة لغاية الان. بناء عليه يقوم الموقف الإسرائيلي الرسمي على الترتيبات الأمنية لا تتضمن استحقاقات سياسية. فيما في لبنان لا تنوي إسرائيل في المدى المرئي الانسحاب من جنوب لبنان، حتى ولو تناقض الامر مع المساعي لنزع سلاح حزب الله وهو الشعار الذي يردده نتنياهو باعتباره أولوية في التعاطي مع لبنان. بينما يرى لبنان ان هذا الملف سيجد حله سياسيا لبنانيا وضمن تفاهمات تسهم فيها اطراف عربية ودولية صديقة للبلد.
تقوم التقديرات الإسرائيلية الوازنة على اعتبار لبنان يريد استعادة سيادته داخليا وخارجيا على السواء، وبأن الدولة اللبنانية لا تقبل بأقل من انسحاب إسرائيلي للحدود الدولية فيما إسرائيل غير مستعدة ان تدفع ثمن هذا الاستحقاق حتى ولو على حساب اتفاقية سلام بين البلدين. كما تشير التقديرات الإسرائيلية الى ان القوى اللبنانية ترى بأي نوع من الاقتتال الداخلي بمثابة خط أحمر لا يمكن تجاوزه، بخلاف إسرائيل التي تدفع بسياساتها في هذا الاتجاه.
من وجهة نظر صحيفة يسرائيل هايوم ليس كافياً تسوية مسألة الحدود البرية والاكتفاء باتفاق سطحي وتكتيكي في جوهره، اذ ترى الصحيفة بأن جوزيف عون يسعى إلى اتفاق حدودي، ما يعني أنّ الصراع بين البلدين سيعود على المدى البعيد. لذا، وفقا للصحيفة اليمينية ينبغي أن يتضمن أي اتفاق مستقبلي تفاهمات بشأن ثلاث قضايا استراتيجية: 1. نزع سلاح حزب الله 2. تعزيز الجيش اللبناني وتطويره، "بما في ذلك إقالة القادة المتمردين". 3. تفكيك المخيمات الفلسطينية. تعتبر الصحيفة هذه القضايا بمثابة الأسباب الجذرية للصراع بين البلدين.
اللافت في هذه الغايات الإسرائيلية هو مسألة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتفكيكها، وقد استهدفها الجيش الإسرائيلي بشكل مركّز، فيما ان إسرائيل تقوم منذ الحرب على غزة في أكتوبر 2023 بعمل حربي منهجي هدفه تفكيك المخيمات الفلسطينية في كل من غزة وشمال الضفة الغربية وقامت بعملية تطهير عرقي شاملة فيها وفي غزة تم هدمها.
يأتي هذا النهج في اطار عقيدة نتنياهو وهدفه الأهم في الملف الفلسطيني وهو القضاء على ملف اللاجئين وتقويض وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الاونروا وشطب حق العودة قانونيا وفعليا، فيما يندرج كل ذلك في موقف نتنياهو الذي يحظى بتأييد غالبية واسعة جدا في الكنيست وعلى مستوى الراي العام حاليا، بمنع قيام دولة فلسطينية وتفكيك مقوّماتها، بما فيه استنادا الى قانون القومية الذي يرسخ مقولة أن حق تقرير المصير ما بين نهر الأردن والبحر المتوسط هو حصريّ لليهود.
في الخلاصة، عادت التقديرات الإسرائيلية الى التقليل من الرهان على تحولات في الموقف اللبناني على مستوى رئيسي الجمهورية والوزراء. ما روّج له ترامب وردده نتنياهو باحتمالية سلام ابراهيمي مع لبنان، لا يزال مستبعدا لبنانيا. كما لا يزال من المستبعد حدوث اختراقة في العلاقات اللبنانية الإسرائيلية. فيما أن الرهان على تعدد المواقف في القيادة اللبنانية لن يؤدي الى ذلك.
لا تزال الاستراتيجية الإسرائيلية متعثرة في الملف اللبناني ومعظم الملفات الإقليمية وحصريا لكون حكومة إسرائيل لا تفتش عن أي أفق سياسي. بناء عليه، فإنّ الأولوية هي للترتيبات الأمنية، فيما الملف الإيراني أولاً.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبها فقط، وموقع العرب يفسح المجال امام الكتاب لطرح أفكارهم التي كتبت بقلمهم المميز ويقدم للجميع مساحة حرة في التعبير عما في داخلهم ضمن زاوية رأي حر. لإرسال المواد يرجى إرفاق النص في ملف وورد مع اسم الكاتب والبلدة وعنوان الموضوع وصورة شخصية للكاتب بجودة عالية وحجم كبير على العنوان: alarab@alarab.com