تحميل...

مَقامُ العِشْقِ الأَقْصَى

خالد عيسى
نُشر: 00:09

أُنادِيكِ… يا قِبْلَةَ الرُّوحِ إِذَا تَاهَتِ الخُطى،

يا أُفُقًا يَنْهَضُ مِنْ رَمادِ القَلْبِ كُلَّما انْكَسَر،

يا مَدِينَةً تَسْكُنُني… ولا أَبْلُغُهَا إِلّا بِنَبْضٍ يَحْتَرِق.

رَأَيْتُكِ فِي مَقامِ العِشْقِ أَعْلَى مِمّا يُرى،

كأَنَّكِ آيَةٌ تُتْلى عَلَى جَبِينِ الزَّمَن،

وَكأَنَّ الحَجَرَ فِيكِ يَنْطِقُ:

لا يَفْنَى مَنْ سَكَنَ النُّور.

يا أُولى النَّبْضِ… وَآخِرَةَ الحُلْم،

كَيْفَ احْتَمَلَتْ جُدْرَانُكِ هذا العِشْقَ كُلَّهُ؟

وَكَيْفَ تَتَّسِعُ أَزِقَّتُكِ

لِخُطَى العَاشِقِينَ إِذَا ضَاقَتْ بِهِمُ الأَرْض؟

إِنِّي أُحِبُّكِ… لا كَمَدِينَةٍ تُزَار،

بَلْ كَسِرٍّ يُقِيمُ فِي دَمِي،

كَصَلاةٍ تَبْدَأُ بِي… وَتَنْتَهِي إِلَيْكِ.

فِي سَاحَاتِكِ يَنْكَسِرُ الزَّمَن،

وَيَقِفُ القَلْبُ عَارِيًا إِلّا مِنَ الدُّعَاءِ،

كَأَنَّ كُلَّ خَفْقَةٍ هُنَاكَ

تَقُولُ: هَذَا مَقامُ مَنْ أَحَبَّ… فَفَنِي.

يا مَدِينَةَ النُّورِ فِي عَيْنَيَّ،

يَا مَنْ تَحْمِلُ فِي صَمْتِهَا ضَجِيجَ الأَنْبِيَاءِ،

وَفِي حُجُورِهَا خُطُوَاتَ الغَائِبِينَ الحَاضِرِينَ،

كَيْفَ صِرْتِ لِي مِرْآةً

أَرَى فِيهَا وَجْهِي إِذَا تَطَهَّرَ مِنْ كُلِّ شَيْء؟

بَيْنِي وَبَيْنَكِ عَهْدٌ لا يُكْتَب،

أَنْ أَبْقَى عَلَى حُبِّكِ،

حَتّى إِذَا ضَاقَتِ الأَيَّامُ بِأَهْلِهَا،

اتَّسَعَ فِيكِ الأَمَل.

يَا قُبَّةَ الحُلْمِ المُعَلَّقِ فِي سَماءِ الرُّوح،

يَا مِعْرَاجَ مَنْ ضَاقَتْ بِهِ الأَرْضُ،

خُذِي مِنِّي اسْمِي… وَأَعِيدِي لِي مَعْنَاي،

فَإِنِّي مَا عُدْتُ أَعْرِفُ نَفْسِي

إِلّا حِينَ أَنْطِقُكِ.

إِنِّي عَلَى بَابِكِ وَاقِفٌ،

لَا أَطْلُبُ دُخُولًا… بَلْ انْكِشَافًا،

أَنْ يَزُولَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ الحِجَاب،

فَأَرَاكِ… كَمَا يَرَى العَاشِقُ حَقِيقَتَهُ.

وَإِذَا سَأَلُونِي: مَا الأَقْصَى؟

قُلْتُ:

هُوَ القَلْبُ إِذَا تَطَهَّرَ مِنْ غَيْرِ الحُب،

وَهُوَ الرُّوحُ إِذَا بَلَغَتْ مَقامَها الأَعْلَى،

وَهُوَ أَنْتِ…

حِينَ تَصِيرِينَ فِيَّ

وَأَصِيرُ فِيكِ

دُعَاءً لا يَنْقَطِع.

...