النافذة التي تعلّمت الصمت
كان الليل في ذلك المكان لا ينزل من السماء، بل يتكوّن داخل الجدران.
كأن المبنى يحتفظ بكل ما مرّ فيه من خوفٍ وصراخٍ وبكاءٍ مكتوم، ثم يعيده مع حلول المساء على هيئة صمتٍ ثقيل يهبط ببطء فوق الأرواح.
الممر طويل وبارد، مضاء بمصابيح شاحبة تُصدر أزيزًا خافتًا يشبه التعب.
رائحة المعقّمات تختلط برطوبة قديمة، وبشيءٍ آخر لا اسم له… شيء يشبه الحزن حين يبقى عالقًا في مكانٍ مغلق لسنوات.
وفي آخر الممر، كانت هناك نافذة معدنية صغيرة.
نافذة لا تُفتح.
لكنها ترى كل شيء.
زجاجها البارد كان يلتقط الوجوه كما هي؛ دون أقنعة، دون أعذار، ودون أن يمنح أحدًا فرصةً كاملة للاختباء.
جلست سلمى قبالتها.
لم تكن تنظر إلى الخارج، بل إلى انعكاسها فوق الزجاج، كأن مواجهة النفس تصبح أهون حين تحدث عبر مسافةٍ صغيرة من الإنكار.
بدت هادئة لمن يراها، لكن يديها كانتا متشابكتين بقوة فوق حجرها، وفي عينيها ذلك التعب الذي يصيب الأشخاص الذين يظلون متماسكين وقتًا أطول مما ينبغي.
كانت تعرف هذا النوع من الإرهاق جيدًا.
إرهاق أن تُصغي للجميع، بينما لا يلتفت أحد إلى الضجيج الذي يحدث داخلك.
في الجهة المقابلة، كان سامر يتحرك ذهابًا وإيابًا.
خطواته لم تكن خطوات حقيقية، بل محاولات متقطعة لإثبات أنه ما زال موجودًا، وأنه لم يتحول بعد إلى ظلٍّ آخر داخل هذا المكان.
كان داخله ضجيج لا يشبه التفكير، بل يشبه أبوابًا تُفتح وتُغلق بعنف، وذكرياتٍ تدخل دون استئذان، ووجوهًا تحدّق فيه كما لو أنها تنتظر منه الخطأ التالي.
في أماكن كهذه، لا يبدأ الانهيار فجأة.
بل يُمارَس ببطء.
قطرةً بعد أخرى.
حتى يصبح الاعتياد على الألم نوعًا من البقاء.
توقف سامر فجأة، ثم التفت نحوها.
قال بصوت متوتر:
— “ليش بتراقبيني؟”
لم تُجب فورًا.
بقيت تحدّق في النافذة، في انعكاسهما المرتبك فوق الزجاج.
ثم قالت بهدوء متعب:
— “أنا لا أراقبك… أنا فقط أحاول أفهم ليش كل شيء هون يبدو كأنه على وشك ينكسر.”
ظهرت على شفتيه ابتسامة قصيرة، باهتة، خالية من الفرح.
— “أنتو دائمًا بتحكوا هيك.”
اقترب خطوة.
ثم أخرى.
وفي انعكاس النافذة، بدا الاثنان كأنهما شخصٌ واحد يبحث عن نفسه داخل جسدين متعبين.
قال بصوت أخفض:
— “أنا مش خطأ.”
هذه المرة رفعت سلمى عينيها نحوه مباشرة.
وللمرة الأولى، لم تره كحالة يجب احتواؤها، بل كإنسان أنهكه الدفاع المستمر عن نفسه.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— “ولا أنا بخير مثل ما ببيّن.”
توقف الهواء بينهما.
شيءٌ هشّ انكشف فجأة، كأن الحقيقة حين تُقال بصوتٍ صادق تُربك الجميع.
لكن الكلمات، بعدما اقتربت من جرحها الحقيقي، بدأت تفقد قدرتها على التهدئة.
— “أنتِ ما بتفهميني!”
— “لأنك ما بتخلّي حدا يسمعك!”
— “أنتِ بتحكموا عليّ قبل ما أحكي!”
— “وأنت بتخاف من نفسك لدرجة بتهاجم أي حدا يقترب منك!”
ارتفعت الأصوات بسرعة، كأن اللغة نفسها بدأت تتكسر داخل الغرفة.
صار كل شيء حادًا:
الضوء،
الأنفاس،
صدى الخطوات،
وذلك الخوف القديم الذي يعرف كيف يملأ الأمكنة خلال ثوانٍ.
ثم حدث ما يحدث دائمًا حين تعجز الكلمات عن الاحتمال.
دفعةٌ مرتبكة.
تراجعٌ سريع.
وصوت جسدٍ اصطدم بالخوف أكثر مما اصطدم بالأرض.
دخل الطاقم مسرعًا.
أوامر قصيرة.
أيدٍ تحاول السيطرة على الفوضى.
وضجيج يتحرك في كل الاتجاهات.
لكن وسط ذلك كله، كان هناك شيء آخر يحدث بصمت.
سامر توقف.
ليس لأن أحدًا أمسكه.
بل لأنه رأى نفسه في النافذة.
وللمرة الأولى، لم يرَ وجهًا غاضبًا.
رأى شخصًا متعبًا من البقاء في حالة دفاع دائم.
شخصًا يتصرف بعنف لأنه لم يتعلم يومًا أين يضع كل هذا الألم.
ارتخت كتفاه ببطء.
ثم جلس على الأرض، كأن جسده سبق روحه إلى الاستسلام.
وقال بصوتٍ مكسور:
— “أنا لا أريد أؤذي أحد… بس ما حدا علّمني كيف أهدأ من جوّا.”
ساد الصمت.
حتى الطاقم توقف للحظة، كأن الجملة كشفت شيئًا أعمق من المشكلة نفسها.
نظرت سلمى إلى انعكاسه في الزجاج.
ثم إلى انعكاسها هي.
ورأت التعب ذاته، وإن اختلف شكله.
قالت بصوت خافت:
— “كلنا هون ما منعرف نؤذي… إحنا بس بنتعلّم كيف ننجو بطريقة غلط.”
ولأول مرة منذ بداية الليل، بدا المكان أقل قسوة.
كأن الاعتراف الصادق يخفف ثقل الجدران قليلًا.
ساد صمت طويل.
لكنّه لم يكن صمت غرفة مغلقة.
كان صمت فهمٍ متأخر.
صمت أشخاص أدركوا، ولو للحظة قصيرة، أن البشر لا يتحولون إلى قسوة فجأة… بل يتراكم داخلهم الألم بصمت، حتى يفقدوا الطريق إلى أنفسهم.
وقبل أن يُغلق الباب، بقيت النافذة وحدها في آخر الممر.
تراقب المكان ببرودها القديم.
لكنها، بعد كل ما رأته، لم تعد قادرة على الحكم على أحد.
لا بين مذنبٍ وبريء.
ولا بين قويٍّ وضعيف.
كانت تعرف الآن أن بعض الناس لا يفعلون الشر لأنهم يريدونه…
بل لأن أحدًا لم يعلّمهم يومًا كيف ينجون من عواصفهم الداخلية دون أن يؤذوا أنفسهم والآخرين.